Learn More

نزار قباني

(1923-1998)

! هذه البلاد شقة مفروشة


هـذي البـلادُ شـقَّـةٌ مَفـروشـةٌ ، يملُكُها شخصٌ يُسَمّى عَنترَهْ
يسـكَرُ طوالَ الليل عنـدَ بابهـا ، و يجمَعُ الإيجـارَ من سُكّـانهـا
وَ يَطلُبُ الزواجَ من نسـوانهـا ، وَ يُطلقُ النـارَ على الأشجـار
و الأطفـال … و العيـون … و الأثـداء …والضفـائر المُعَطّـرَهْ
هـذي البـلادُ كلُّهـا مَزرَعَـةٌ شخصيّـةٌ لعَنـترَهْ
سـماؤهـا.. هَواؤهـا … نسـاؤها … حُقولُهـا المُخضَوضَرَهْ
كلُّ البنايـات – هنـا – يَسـكُنُ فيها عَـنتَرَهْ
كلُّ الشـبابيك علَيـها صـورَةٌ لعَـنتَرَهْ
كلُّ الميـادين هُنـا ، تحمـلُ اسـمَ عَــنتَرَهْ
عَــنتَرَةٌ يُقـيمُ فـي ثيـابنـا … فـي ربطـة الخـبز
و فـي زجـاجـة الكُولا ، وَ فـي أحـلامنـا المُحتَضـرَهْ
مـدينـةٌ مَهـجورَةٌ مُهَجّـرَهْ
لم يبقَ – فيها – فأرةٌ ، أو نملَـةٌ ، أو جدوَلٌ ، أو شـجَرَهْ
لاشـيء – فيها – يُدهشُ السّـياح إلاّ الصـورَةُ الرسميّـة المُقَرَّرَهْ
للجـنرال عَــنتَرَهْ
فـي عرَبـات الخَـسّ ، و البـطّيخ
فــي البـاصـات ، فـي مَحطّـة القطـار ، فـي جمارك المطـار
فـي طوابـع البريـد ، في ملاعب الفوتبول ، فـي مطاعم البيتزا
و فـي كُلّ فئـات العُمـلَة المُزَوَّرَهْ
فـي غرفَـة الجلوس … فـي الحمّـام.. فـي المرحاض
فـي ميـلاده السَـعيد ، فـي ختّـانه المَجيـد
فـي قُصـوره الشـامخَـة ، البـاذخَـة ، المُسَـوَّرَهْ
مـا من جـديدٍ في حيـاة هـذي المـدينَـةُ المُسـتَعمَرَهْ
فَحُزنُنـا مُكّرَّرٌ ، وَمَوتُنـا مُكَرَّرٌ ،ونكهَةُ القهوَة في شفاهنـا مُكَرَّرَهْ
فَمُنذُ أَنْ وُلدنـا ،و نَحنُ مَحبوسُونَ فـي زجـاجة الثقافة المُـدَوَّرَهْ
وَمُـذْ دَخَلـنَا المَدرَسَـهْ ،و نحنُ لانَدرُسُ إلاّ سيرَةً ذاتيّـةً واحـدَهً
تـُخبرنـا عـن عَضـلات عَـنتَرَهْ
وَ مَكـرُمات عَــنتَرَهْ … وَ مُعجزات عَــنتَرَهْ
ولا نرى في كلّ دُور السينما إلاّ شريطاً عربيّاً مُضجراً يلعبُ فيه عَنتَرَهْ
لا شـيء – في إذاعَـة الصـباح – نهتـمُّ به
فـالخـبَرُ الأوّلُــ – فيهـا – خبرٌ عن عَــنترَهْ
و الخَـبَرُ الأخـيرُ – فيهـا – خَبَرٌ عن عَــنتَرَهْ
لا شـيءَ – في البرنامج الثـاني – سـوَى
عـزفٌ – عـلى القـانون – من مُؤلَّفـات عَــنتَرَهْ
وَ لَـوحَـةٌ زيتيّـةٌ من خـربَشــات عَــنتَرَهْ
و بـاقَـةٌ من أردَئ الشـعر بصـوت عـنترَهْ
هذي بلادٌ يَمنَحُ المُثَقَّفونَ – فيها – صَوتَهُم ،لسَـيّد المُثَقَّفينَ عَنتَرَهْ
يُجَمّلُونَ قـُبحَهُ ، يُؤَرّخونَ عصرَهُ ، و ينشُرونَ فكرَهُ
و يَقـرَعونَ الطبـلَ فـي حـروبـه المُظـفَّرَهْ
لا نَجـمَ – في شـاشَـة التلفـاز – إلاّ عَــنتَرَهْ
بقَـدّه المَيَّـاس ، أو ضحكَـته المُعَبـرَهْ
يـوماً بزيّ الدُوق و الأمير … يـوماً بزيّ الكادحٍ الفـقير
يـوماً عـلى طـائرَةٍ سَـمتيّـةٍ.. يَوماً على دبّابَة روسيّـةٍ
يـوماً عـلى مُجَـنزَرَهْ
يـوماً عـلى أضـلاعنـا المُكَسَّـرَهْ
لا أحَـدٌ يجـرُؤُ أن يقـولَ: ' لا ' ، للجـنرال عَــنتَرَهْ
لا أحَـدٌ يجرؤُ أن يسـألَ أهلَ العلم – في المدينَة – عَن حُكم عَنتَرَهْ
إنَّ الخيارات هنا ، مَحدودَةٌ ،بينَ دخول السَجن ،أو دخول المَقبَرَهْ
لا شـيء فـي مدينَة المائة و خمسين مليون تابوت سوى
تلاوَةُ القُرآن ، و السُرادقُ الكبير ، و الجنائز المُنتَظرَهْ
لا شيء ،إلاَّ رجُلٌ يبيعُ - في حقيبَةٍ - تذاكرَ الدخول للقبر ، يُدعى عَنتَرهْ
عَــنتَرَةُ العَبسـيُّ … لا يَترُكنـا دقيقةً واحدَةً
فـ مَرّةَ ، يـأكُلُ من طعامنـا … و َمـرَّةً يشرَبُ من شـرابنـا
وَ مَرَّةً يَندَسُّ فـي فراشـنا … وَ مـرَّةً يزورُنـا مُسَـلَّحاً
ليَقبَضَ الإيجـار عن بلادنـا المُسـتأجَرَهْ

Submitted: Monday, October 21, 2013
Edited: Tuesday, October 22, 2013

Do you like this poem?
0 person liked.
0 person did not like.

Read this poem in other languages

This poem has not been translated into any other language yet.

I would like to translate this poem »

word flags

What do you think this poem is about?

Comments about this poem (! هذه البلاد شقة مفروشة by نزار قباني )

Enter the verification code :

There is no comment submitted by members..

Trending Poets

Trending Poems

  1. Stopping by Woods on a Snowy Evening, Robert Frost
  2. The Road Not Taken, Robert Frost
  3. Dreams, Langston Hughes
  4. Invictus, William Ernest Henley
  5. Do Not Go Gentle Into That Good Night, Dylan Thomas
  6. Limbo, Seamus Heaney
  7. I Know Why The Caged Bird Sings, Maya Angelou
  8. The Saddest Poem, Pablo Neruda
  9. Still I Rise, Maya Angelou
  10. A Child's Christmas in Wales, Dylan Thomas

Poem of the Day

poet James Whitcomb Riley

There! little girl; don't cry!
They have broken your doll, I know;
And your tea-set blue,
And your play-house, too,
Are things of the long ago;
...... Read complete »

   

New Poems

  1. The time machine, Yisel Chong
  2. Blue-eyed boy Mr. Death for e.e. cummings, r james sterzinger
  3. Salvation Jane, vince gullaci
  4. A Girl Called Memory, Mashewa1 Nthele
  5. A Fairytale, Apolynn Lagaras
  6. How I Once Spent a Friday Afternoon, M.J. Lemon
  7. Every dog's ordeal, Lubinda Lubinda
  8. An Ethereal Bloom, Margaret Alice Second
  9. surrealist day, lee fones
  10. Gnarled Syllogism, Paul Hartal
[Hata Bildir]