نزار قباني

(1923-1998)

هل تجيئين معي إلى البحر


هل تهرُبين معي من الزَمَن اليابسِ إلى زَمَن الماءْ؟
فنحنُ منذُ ثلاثِ سنينْ
لم ندْخُلْ في احتمالات اللون الأزرقْ
لم نُمْسِكْ بأيدينا
أُفُقاً
أو حُلُماً.. أو قصيدَهْ
لقد جعلتْنا الحربُ الأهليَّةُ حيوانيْنِ بَرِّيَيْنْ
يتكلمَّانِ دونَ شهيَّهْ
ويتناسلانِ دونَ شهيَّهْ
ويلتصقانِ ببعضهما بصَمْغ العادات المُكْتَسَبَهْ
قهوتي التُركيّةُ عَادَةٌ مُكْتَسَبَهْ
وحَمَّامُكِ الصَبَاحيُّ عَادَةٌ مُكْتَسَبَهْ
ولونُ مناشِفِكِ عَادَةٌ مُكْتَسَبَهْ
فلماذا لا تلبسينَ قُبَّعَةَ الشمسْ؟
وتأتينَ معي
إنّني ضجرتُ من هذه العلاقة الاكاديميَّهْ
التي أعْطَتْكِ شكلَ النساءِ المتزوجاتِ دونَ حُبّْ
وأعطتْني
شَكْلَ القصيدة العَمُوديَّهْ
هَشَّةٌ.. وقابلةٌ للكَسْرْ
تَتَشَابَهُ كمنشورٍ سياسيّْ
كلُّ أنواع الكحولْ
لها مَذَاقٌ واحدٌ.. ومفعولٌ واحدْ
كلُّ الطُرُقاتِ إلى نهدَيْكِ
تُؤدّي إلى الانتحارْ
فلماذا.. لا نخرجُ إلى البحرْ؟
إنَّ البحرَ لا يكرِّرُ نفسَهْ
ولا يُعيد كتابةَ قصائِدِهِ القديمَهْ
البحرُ.. هو التغيُّرُ والولادَهْْ
وأنا أريدكِ أن تتغيَّري.. وأن تُغيِّريني
أريدُ أن ألِدَكِ.. وأن تلِدِيني
أريدُ أن تَنْقُشيني بالخَطِّ الكُوفيِّ على جِلْدكْ
كما تنقشُ المرأة العاشقةُ
إسمَ رَجُلِها على صدرها
قبلَ أن يذهبَ إلى الحربْ
أريدُ أن أمشي معكِ تحت شجر الشِّعْرْ
وأضَعَ في يَدَيْكِ الصغيرتينِ أساورَ الشِّعْرْ
أريدُ أن أطلقَ سراحَكِ من هذه الزَنْزَانَة العربيَّهْ
التي أعطتكِ شكل النساء المتزوجات دون حُبّْ
وأعطتني شكلَ القصيدة العَمُوديَّهْ
لقد انفجرتْ بيروتُ بين أصابعي
كَدَواةٍ بنفسجيَّهْ
فساعديني على ترميم وجهي
فاللغةُ قطارٌ ليليٌّ بطيءْ
ينتحر فيه المسافرونَ من شدّة الضَجَرْ
فتعاليْ نطلقِ النارَ على الأحرف الأبجديَّهْ
ألا يُمكنني أن أُحِبَّكِ خارج المخطوطات العربيَّهْ؟
وخارجَ الفَرَمَانات العربيَّهْ
وخارجَ أنظمة المرور العربيَّهْ
وخارجَ الأوزان العربيَّهْ
فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فعولُنْ مفاعيلُنْ
ألا يمكنني أن أجلس معكِ في الكافيتيريا؟
دونَ أن يجلس معنا أمرؤ القيْسْ؟
فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فعولُنْ مفاعيلُنْ
ألا يمكنني أن أدعوكِ للرقصْ؟
دون أن يرقصَ معنا البُحتريّْ
فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فعولُنْ مفاعيلُنْ
ثمَّ.. ألا يمكنني أن أوصلكِ إلى منزلك في آخر الليل
إلاّ بحراسة رجُلِ المُخَابرات عنترةَ العبسيّ
آهٍ.. كم هو مُتْعِبٌ أن أتغزَّلَ بعينيكِ
وأنا تحتَ الحراسَهْ
وأتجوَّلَ في ليل شعرك.. وأنا تحت الحراسَهْ
آهٍ.. كم هو مُتْعِبٌ
أن أُحِبَّكِ بين فَتحَتَيْنِ
أو هَمْزَتَيْنِ
أو نُقْطَتَيْنْ
فلماذا لا نرمي بأنْفُسِنا من قطار اللغَهْ.؟
ونتكلَّم لغة البحرْ؟
هل تجيئينَ معي إلى البحرْ؟
لنحتمي تحت عباءته الزرقاءْ
لقد تفكَّك الزمنُ بين أصابعنا
وتفكَّكت عناصرُ عينيكِ
فساعديني على لَمْلَمَتِكِ.. ولملمة شَعْرِكِ الذي ذَهَبَ ولم يترك لي عنوانَهْ
فأنا أركضُ .. وهو يركض أمامي كدجاجةٍ مذبوحَهْ
ساعديني في العثور على فمي
فقد أخذتِ الحربُ دفاتري وخَرْبَشَاتي الطفوليَّهْ
أخذتِ الكلماتِ التي كان يمكن أن تجعلكِ أجملَ النساءْ
والكلماتِ التي كان يمكن أن تجعلني أعظمَ الشعراءْ
هل أبوحُ لكِ بسِرٍّ صغيرْ؟
إنني أصيرُ قبيحاً عندما لا أكتُب
وأصيرُ قبيحاً عندما لا أعشَقْ
فساعديني على استعادة المجديْنْ
مَجْدِ الكتابةِ.. ومَجْدِ العشقْ
هل تدخلينَ معي في احتمالات اللون الأزرقْ
واحتمالات الغَرَق والدُوارْ
واحتمالات الوجه الآخرِ للحُبّْ
لقد دمّرتْني العلاقةُ ذاتُ البُعْد الواحدْ
والحوارُ ذو الصوت الواحدْ
والجِنْسُ ذو الإيقاع الواحدْ
وتلبسينَ جلْدَ البحرْ؟
وتلبسينَ جُنوني
لماذا لا تخلعينَ ثوبَ الغبار.. وتلبسينَ أمطاري؟
لقد تكدَّسَ على شفاهنا شوكٌ كثيرٌ.. وضجَرٌ كثيرْ
فلماذا لا نثورُ على هذه العلاقة الأكاديميَّهْ
التي أعْطَتْكِ شَكْلَ النساءِ المتزوجاتْ
وأعطَتْني شكلَ القصيدة العَمُوديَّهْ
لماذا لا تخلعين جلدكِ
وتلبسينَ جلْدَ البحرْ؟
لماذا لا تخلعينَ طقْسَكِ المعتدلْ؟
وتلبسينَ جُنوني
لماذا لا تخلعينَ ثوبَ الغبار.. وتلبسينَ أمطاري؟
لقد تكدَّسَ على شفاهنا شوكٌ كثيرٌ.. وضجَرٌ كثيرْ
فلماذا لا نثورُ على هذه العلاقة الأكاديميَّهْ
التي أعْطَتْكِ شَكْلَ النساءِ المتزوجاتْ
وأعطَتْني شكلَ القصيدة العَمُوديَّهْ

Submitted: Wednesday, December 11, 2013
Edited: Wednesday, December 11, 2013

Do you like this poem?
0 person liked.
0 person did not like.

Read this poem in other languages

This poem has not been translated into any other language yet.

I would like to translate this poem »

word flags

What do you think this poem is about?

Comments about this poem (هل تجيئين معي إلى البحر by نزار قباني )

Enter the verification code :

There is no comment submitted by members..

Top Poems

  1. Phenomenal Woman
    Maya Angelou
  2. The Road Not Taken
    Robert Frost
  3. If You Forget Me
    Pablo Neruda
  4. Still I Rise
    Maya Angelou
  5. Dreams
    Langston Hughes
  6. Annabel Lee
    Edgar Allan Poe
  7. If
    Rudyard Kipling
  8. I Know Why The Caged Bird Sings
    Maya Angelou
  9. Stopping by Woods on a Snowy Evening
    Robert Frost
  10. Invictus
    William Ernest Henley

PoemHunter.com Updates

New Poems

  1. This World, Sandra Feldman
  2. Prime Truth - 92, Pranab K. Chakraborty
  3. Gold Star Mother, Charles Hancock
  4. Oooooohgust, Ferdinand L Quintos
  5. Prime Truth - 91, Pranab K. Chakraborty
  6. Your Mind, Nicholas Smith
  7. No matter- if you, gajanan mishra
  8. How Long iS yOUr List of Shoulds?, Monk E. Biz
  9. The Love Train Rolls, chug a chug a chuga, Monk E. Biz
  10. Ill-fated, gajanan mishra

Poem of the Day

poet Sara Teasdale

I thought of you and how you love this beauty,
And walking up the long beach all alone
I heard the waves breaking in measured thunder
As you and I once heard their monotone.

...... Read complete »

   
[Hata Bildir]